نصر حامد أبو زيد

30

الاتجاه العقلي في التفسير

وأسمنوا براذينهم ، ووسعوا دينهم ، وضيقوا قبورهم » 64 . وإشارة الحسن إلى إخافة أهل العفّة ، وظلم أهل الذمّة ، لها دلالتها في تحديد طبيعة الثورة النفسية التي تعتمل في نفس رجل من الأتقياء ، يدرك الظلم ويلمس مظاهره الاجتماعية في الاثراء على حساب الدين وفقراء المسلمين وغيرهم من أهل الأديان الأخرى . وجاء رجل يسأله يوما عن عطاء له عند بني أمية فقال « آخذ عطائي أم أدعه حتى آخذه من حسناتهم يوم القيامة ؟ فقال له : قم ويحك خذ عطاءك فإن القوم مفاليس من الحسنات يوم القيامة » 65 . ومعنى ذلك أن نزعة الزهد التي اشتهر بها الحسن لم تمنعه من ادراك الظلم الاجتماعي والاقتصادي الذي يمارسه رجال الدولة الأموية ضد جماهير المسلمين ، ولم تحل بين عينيه وبين رؤية مظاهر هذا الظلم . وإذا كان عداء الأمويين السافر كان موجها ضد الخوارج والشيعة ومن حمل السلاح في وجوههم ، ولم يمنع ذلك الحجاج من امتحان الحسن وسؤاله عن رأيه في علي وعثمان ، فقد كان من الطبيعي أن يلجأ الحسن إلى التقيّة حين يحدث عن علي بن أبي طالب ، رغم أنه لم يكن شيعيا . فقد صار حب علي تهمة يعاقب عليها « وكان الحسن إذا أراد أن يحدث في زمن بني أمية عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : قال أبو زينب » 66 . لم يكن من الطبيعي أن يظلّ أمثال الحسن على سلبيتهم إزاء مظاهر الظلم المتعددة أمام أعينهم . وإذا كان متأخرو الصحابة قد استشعروا كثيرا من سوء الظن بقول معبد الجهني بالقدر ، فإن تعلل الأمويين - وعبد الملك بن مروان بالذات - بالجبر تبريرا لأفعالهم وجرائمهم كان كفيلا برفع الغشاوة عن أعين هؤلاء المؤمنين الأتقياء من أمثال الحسن . ولم يتردد الحسن في تبني القول بالقدر على مذهب معاصره معبد الجهني . وليس من المستبعد أن يكون الحسن قد عدل قليلا من قول معاصره الذي ذهب إلى أن القدر خيره وشره من العبد كما تحكي عنه كتب المقالات . ولقد كان تعديل هذا القول ضرورة لا غنى عنها حتى لا يؤدي ذلك إلى نفي قدرة اللّه أو الانتقاص منها . ولمّا كان بنو أمية يرفعون القول بالجبر لتبرير معاصيهم ، فإن اسناد المعاصي إلى قدرة العبد كاف في الرد عليهم دون أن يؤدي ذلك إلى الانتقاص من قدرة اللّه . لذلك كله عدّل الحسن من قول معبد وغيلان والجعد ، وقال « كل شيء بقضاء وقدر إلّا المعاصي » 67 وهذه الصياغة لمبدأ القدر تنفي عن اللّه فعل الشر وتثبت قدرة العبد عليه . ومن شأن هذه الصياغة للمبدإ أن تجعله مقبولا لدى أتقياء